جلس ستيف بجانب الأطفال، كان يهم بتسجيل المواعيد الأخيرة التي أخذها من أجل مقالته عندما أغلق ميدوري كوما مذكرته بحركة مفاجِئة، مشيرا عليه بالتريث.
« ماذا تحاول أن تقول؟ أتريد أن تخبرني بأن القصة التي سأكتبها في النهاية تختلف عن تلك التي تصورتها في البداية؟»، سأله الصحافي. على سبيل الإجابة أخذ الدبدوب يحك بطنه، وهو يبدو هادئا.
في هذا الأثناء، أشرقت أمامهما الابتسامة الساطعة لأوليفيا. بشكل فوري، مع النظرة الماكرة لشخص على وشك أن يقوم بمزحة لطيفة، بادرتهم الفتاة بالسؤال: « أصدقائي، هل أنتم مستعدون لحضور عرض فريد من نوعه».
« أتعلمين، أنا فهمت كل شيء؟ لقد وضعت صاروخا داخل الكارت التي ستقودينها في السباق»، قالت لها لولا.
« ماذا! لا أستطيع تصديق أدناي! تمكنت أخيرا من نطق كلمة كارت، أرى أنك أصبحت مستعدة لقيادة واحدة منها»، قال بوب مبتسما، وهو يساعد أوليفيا على ركوب سيارتها على خط الانطلاق.
« بالطبع أنا مستعدة: حتى أنني أتوفر على رخصة سياقة»، أجابت الفتاة الصغيرة وهي تلوح بقطعة الورق المقوى التي حصلت عليها بالأمس على إثر اجتيازها للامتحان.
اصطف الربابنة على خط الانطلاق. في تلك الأثناء، على حافة المضمار، بجانب الكارت الأول، الذي تقوده أوليفيا، وقف رجل كبير ونحيف شاهرا علما ذو مربعات: إنه مدير السباق. لوح بعلمه في الهواء ثم رفعه إلى أعلى في حركة رشيقة. عندما يحين الوقت، سيعطي مدير السباق إشارة الانطلاق بإنزال العلم. في انتظار ذلك، كان ضجيج المحركات يصم الآذان، وجميع الربابنة متأهبين للانطلاق بأقصى سرعة ممكنة.
فطريا أمسكت لولا وبيتر وميدوري كوما بأكف بعضهم البعض: إنهم منفعلون ومشدوهون، إنها المرة الأولى التي يحضرون فيها انطلاق سباق للسيارات.
لكن، عندما أعطى الرجل إشارة انطلاق السباق عبر إنزال العلم، كانت الخيبة كبيرة، فقد انطلق المشاركون ببطء شديد، بشكل مثير للاستغراب. بالأمس، خلال التدريب،كانوا يقودون بشكل أسرع. فما الذي يحصل؟
« فهمتُ، قال بيتر، بقدر ما قيل لنا أمس أنه لا يجب الإسراع مع الهواتف الذكية، أصبحوا اليوم يتعاملون بنفس الحذر مع السيارات».
غير أن ميدوري كوما حرك رأسه يمنة ويسرة نافيا ذلك، وواصل حك بطنه فرِحا.
« هل لاحظتم أن الأوائل أبطأ كثيرا من الذين يتبعونهم؟»، قالت لولا.
بالفعل، تبدو أوليفيا والمنافسين الذين كانوا الأسرع خلال التصفيات كأنهم في نزهة يوم الأحد وليسوا في سباق. في الخلف تبدو المعركة حامية أكثر. وها هو ماكس يتقدم مستفيدا من بطء منافسيه. فرغم أنه لم يعد يهتم بالمنافسة، يبدو أنه لم يستطع منع نفسه من استغلال الفرصة، إذ لم يكن أمامه سوى أن يتجاوز باقي الربابنة الذين يقودون بسرعة أقل من سرعته.
بدا البعض وكأنهم يحاولون، بدون اقتناع كبير، أن يصمدوا أمام هجومه. إلا أنهم في الأخير يفسحون له الطريق ويتركونه يمر. أعاد ستيف الصحافي فتح مذكرته وبدأ يُدَوِّنُ فيها ملاحظاته. لديه نظرية، يدعمها سلوك آباء الأطفال على المدرجات: بدل دعم أطفالهم وتشجيعهم،انحازوا جميعا إلى جانب ماكس، الذي أخذوا يشجعونه على تجاوز الآخرين.
« لقد فهمتَ كل شيء إذن؟ »، قال ستيف موجها سؤاله إلى ميدوري كوما، الذي رفع رأسه بالموافقة، وعلامات الرضى تبدو على محياه.
« ماذا فَهِمْتَ؟ »، سألت لولا وبيتر في صوت واحد.
« انتظرا وستريان…».
بعد أربع دورات حول المضمار، أصبح ماكس، الذي كان آخر من انطلق، يحتل المرتبة الثانية: فقد تجاوز نصف الكوكبة. فكرة التمكن من استدراك تأخره ولَّدت لديه إحساسا كان يعتقد أنه فقده، إحساس وَلَّدَ في نفسه متعة كبيرة. حاول أن يقود كسابق عهده: ضغط بكل قوته على دواسة السرعة. ما أن لاحظ باقي الربابنة ذلك حتى تخلوا عن قيادتهم البطيئة وزادوا بشكل ملحوظ من وتيرة السباق، ودخلوا في مبارزات حقيقية فيما بينهم. استعاد ماكس أحاسيس الفترة التي كان فيها بطلا لا يقهر، تجاوز الآخرين ببراعة بفضل مناورات مذهلة، وأحيانا قتالية. خاصة أمام دانيال الذي حاول أن يصمد أكثر ما يمكن أمام الهجمات الآتية من الخلف، غير أن الأمر انتهى بتجاوزه على الخط المستقيم. بعد بضعة دورات أصبح ماكس في المرتبة الثالثة، لمحته أوليفيا في مرآة سيارتها. أدركت أن خطتها قد نجحت وهنأت نفسها بصوت عال تحت خوذتها: « أنتِ بالفعل عبقرية، لكن الآن لا يجب القبول بالخسارة!».
بعد دورتين، أصبحا يتدافعان بالمرافق، فبينما يسعى ماكس لتجاوزها بأي ثمن… كانت أوليفيا تقاوم، وهي تقود بشكل متعرج يمنة ويسرة لكي تمنعه من المرور.
أحست لولا بقلبها يخفق بقوة، وهي تلاحظ صراع صديقتها في هذه المبارزة المدهشة، في قمة الانفعال صاحت بكل قوة في اتجاه صديقتها: « هيا أوليفيا، تشجعي! قاومي!».
للأسف، لم تفد تشجيعاتها في شيء، ففي المنعطف الأسرع للمضمار تمكن ماكس من تجاوز أوليفيا ليأخذ بزمام المبادرة في السباق. في نهاية آخر دورة حول الحلبة، عندما تجاوز الخط الذي يقف عليه مدير السباق حاملا علمه الذي يشبه رقعة شطرنج، طار ماكس من الفرح كما كان يفعل في الزمن الجميل. إنه سعيد بانتصاره! هذه المرة أحس بمتعة حقيقية، واسترجع فجأة شغف قيادة الكارت. عندما نزل من السيارة لم تعد لديه أية رغبة في العودة إلى البيت لممارسة ألعاب الفيديو، بل يريد الاستمتاع بحفل تسليم الجوائز، أصبح متعطشا لاعتلاء منصة التتويج، وسماع تصفيقات الجمهور، وتسلم الكأس.
بينما كان الولد الصغير يتلقى التهاني من باقي الربابنة، كانت والدته تشكر الجميع، مضطربة. بطبيعة الحال، هي أيضا فهمت ما جرى. أما أوليفيا، فكانت تشرح الموقف لكل من لولا وبيتر: « فكرتي العبقرية كانت كالتالي: اقترحتُ على كل الآخرين أن يتعمدوا السير ببطء وأن يُمَكِّنوا ماكس من اجتيازهم، لكي يستعيد الرغبة في الفوز وهو يتجاوز الكوكبة. ولأني أعرف شغفه بالسباق، كنت متأكدة أنه سيتذكر مقدار المتعة التي يشعر بها المرء عندما يكون في أفضل المراتب. بعد ذلك، خلال الجزء الثاني من السباق، لم يعد أحد يتظاهر بالبطء، وانتصر ماكس عن جدارة واستحقاق!».
حتى ماكس نفسه فهم أن الربابنة الآخرين نصبوا له فخا. لكن ما أروعه من فخ! كان الولد الصغير سعيدا بمعرفة أن أصدقائه الحقيقيين لم يتخلوا عنه أبدا على الرغم من سلوكه السيئ. واكتشف أنه من الصعب الشعور بمثل هذه العواطف في العالم الافتراضي.
« أفضلك عندما كنت بطيئا، قالت له أوليفيا، مع إيماءة بعينها. هكذا سأتمكن أنا أيضا من الفوز من حين لآخر!».
« خبئي هذا الوسام، فاليوم أنت التي تستحقين الكأس. أنت بطلة الصداقة»، أجابها ماكس وهو يمنحها الكأس.
« كيف يمكن ذلك، هاذين الطفلين قد حصلا على رخصة السياقة ولم يمتطيا بعد سيارة كارت؟! »، تسائل بوب وهو يشير إلى لولا وبيتر.
« إنه بالفعل خطأ فادح، ومن واجبنا أن نصححه حالا»، أجاب ستيف.
« إذن، هيا اتبعاني!»، أمرهما بوب وهو يتجه نحو المضمار حيث تربد ثلاث سيارات.
« هل يمكننا بالفعل قيادتها؟»، صاحت لولا بصوت جهوري.
« واو! يا لها من هدية رائعة»، قال بيتر، وهو لا يكاد يصدق.
« عندما تلبس بدلتك وتضع خوذتك. لكن قبل ذلك اعطني قذيفتك. وإلا، فمن سيصورك وأنت تقود كبطل حقيقي؟»، قال بوب.
«أن أعطيك هاتفي الذكي؟ لكن، لم تمض سوى ثلاثة أيام على معرفتي بك!»، رد بيتر، متظاهرا بالقلق.
«برافو! لقد تعلمت الدرس جيدا»، قال بوب، ثم أخذ يضحك. غير أن لولا قاطعته قائلة: « لم أفهم… لماذا توجد ثلاث سيارات؟».
« أتريدينه أن يسير على قدميه؟ لن يُفْلِت شيئا أبدا، مهما كان»، رد ستيف.
« من إدن؟! »، صاح الطفلان وهما ينظران إلى المضمار بإلحاح. كان جالسا في عربة الكارت وخوذته مشدودة بعناية حول رأسه كربان حقيقي، إنه هو: ميدوري كوما، مستعد للانطلاق وبالسرعة القصوى!