الفصل 3

لعبة الكترونية جيبية

استمع إلى الكتاب الصوتي واستمتع بتجربة غامرة.

فرجة مثيرة فعلا. لُولاَ وبيتر منبهران أمام ما يجري في المضمار… بيد أن الأمر لا يتعلق سوى بالتداريب، فالمطلوب من الربابنة الصغار هو فقط القيام بتمارين تسخينية استعدادا لإنجاز دورة سريعة حول حلبة السباق في اليوم التالي بهدف الاستئناس بالمضمار استعدادا للسباق المقرر تنظيمه يوم الأحد. إلا أنه انطلاقا من هذا الاتصال الأول مع حلبة السباق، يمكن إدراك إلى أي حد تحدوهم الرغبة في أن يكونوا الأفضل. صحيح أنهم صغار، غير أنهم مصرون ومصممون. هدفهم الوحيد هو الفوز. ولبلوغ هذا الهدف، فهم يقودون كارتاتهم بحماس كبير، وقد يلامسون أحيانا حدود ما يسمح به قانون اللعبة.
كلما رأي ميدوري كوما أن سيارتي سباق قد اقتربتا من بعضهما أكثر مما يجب، كان يسارع إلى تغطية عيناه بقائمته الخضراء.
« انظر إلى هذه "الكارفات"، إنها يكاد تصطدم مع بعضها!»، صاحت لُولاَ في قلق مشيرة إلى عربتين تدوران بسرعة عالية جدا حول الحلبة وتقتربان من بعضهما حتى تكادان تلتصقان معا.
« كارت! يا لولا، ندعوها كارت وليس كارف. هي كلمة من أربعة أحرف! فكيف لا تستطيعين تذكرها؟!» وجد بيتر ذلك مثيرا للضحك. غير أنه لم يخطر بباله أن لُولاَ تتعمد فعل ذلك بغرض تسلية ابن عمها. بعد لحظات صاح بيتر بإعجاب «كيف يتمكنون من القيادة بهذه الطريقة دون أن يصدم بعضهم بعضا؟ ».
« هذا يخيفني قليلا، لكني أود بقوة أن أجرب ذلك أنا أيضا! »، لم يفتأ بيتر يردد على مسامع ابنة عمه.
سيكون عليها أن تنجح، قبل نهاية الأسبوع، في إقناع والدها بأن يتيح لبيتر فرصة القيام بجولة حول المضمار! مشدوهة، ظلت تتابع بعينيها العروض البطولية للربانين المتميزين: دانيال وأوليفيا. قررت في نفسها أن تشجع الفتاة أيضا خلال السباق، ليس فقط لأنها الممثل الوحيد للعنصر النسوي على المضمار: لقد بدت لها لطيفة جدا. لُولاَ متأكدة بأنها كسبت صديقة جديدة. « بالطبع، لو كان لي هاتف ذكي خاص بي، لاستطعت أن آخذ صورا وأن أُطلِعَ صديقاتي على هذا العرض الرائع، قالت متمتمة، هكذا فقط سيستطعن أن يرين مدى جمال دانيال».
من جانبه، لم يتوقف بيتر عن تصوير الربابنة الذين يؤدون دورات استعراضية مُشَوِّقَة حول الحلبة. وفي كل مرة، عقب التصوير، كان يلجأ إلى استعمال تطبيقات معالجة الصور المثبتة في هاتفه الذكي، والتي تتيح له إمكانية إدخال تعديلات على الصور قبل إرسالها لوالديه وأصدقائه وزملائه في المدرسة، والتي كان يُتْبِعُها برسائل قصيرة وتعليقات ظريفة، غالبا ما تكون في شكل رسوم متحركة، بفضل تطبيق حَمَّلَهُ مباشرة قبل انطلاق السباق. يكاد ينتابه إحساس غامر بأنه أصبح فعلا مصورا محترفا! حتى أنه قام بتصوير ميدوري كوما على حافة المضمار، ثم أخذ يتسلى بأن يبين للدب أن بإمكانه تغيير لونه، حوَّله من الأخضر إلى الأصفر، ثم إلى الأزرق وفي النهاية إلى وردي متوهج.
فتح الدبدوب عينيه من الرعب قبل أن يستعيد هدوئه: خلال لحظة قصيرة اعتقد فعلا أن لونه قد تغير. طمأنته لُولاَ بقبلة، ثم أمسكته من قائمته واقترحت على ابن عمها أن يأخذ لهم مجتمعين صورة سيلفي، من أجل تخليد هذا اليوم الاستثنائي.
بينما كانا يتصفحان الصورة، ويحاولان تحديد لمن سيرسلانها أولا، ارتفع صوت بوب من جديد: « حسنا أيها الشباب، عليكم تذكر شيء مهم جدا: فقط على المضمار يمكن للأسرع أن يفوز. المهم في مثل سِنِّكم، هو أن تعرف كيف تُفَرْمِل، وليس فقط كيف تضغط على دواسة السرعة!» بقي الطفلين صامتين، عاجزين عن الجواب بل إنهما - في الحقيقة – عجزا على فهم ما يقصده الميكانيكي صاحب الشارب بتلك الجمل الغريبة التي لم يتوقف عن ترديدها. بخلاف ميدوري كوما الذي لوح إلى بوب ممتنا بإشارة من يده. 
« بالنسبة لي، إنه فضائي من المريخ». لُولاَ مقتنعة بذلك، وإلا، فإنها ما كانت لتنطق بكلام غريب.
غير أن بوب ليس من سكان المريخ. في هذه الأثناء، هو مجرد ميكانيكي مسرور بإنجازات ربانه المفضل: أوليفيا! فخلال التدريب كانت الفتاة هي الأسرع من بين الجميع. ما أن التحق ستيف برفاقه الثلاثة في المغامرة حتى بادر بيتر إلى إطلاعه على العبارات الغامضة التي قالها بوب. « بالعكس، الأمر واضح كالماء الزلال، قال الصحافي. ما يريد بوب أن يقوله بكل بساطة، هو أنكم، أنتم الشباب، دائما متسرعون، ترغبون في القيام بكل شيء، والعمل من أجل تحقيقه على الفور، بدل انتظار أن يحين الوقت، قبل أن تصبحوا كبارا بما يكفي للقيام بذلك. في حين لا يجب إغفال الفرملة، ما يعني ضرورة التفكير في السلامة والأمان ».
أخذ بيتر ولُولاَ ينظران إلى بعضهما مشدوهين. لكن ما الذي يجري؟ لماذا يتصرفون كلهم بشكل غريب؟ لم يفهم أي من الطفلين عن أي خطر يتحدث ستيف وبوب. ولا ضد ماذا يفترض أن يحميا نفسيهما.
تبع الطفلان وميدوري كوما ستيف إلى السيارة وهما لا يزالان مشوشين. لقد حان الوقت للعودة إلى الفندق، فعلى والد لُولاَ أن يحرر مقالته.
هذه المرة، جاء دور ميدوري كوما ليوقف المجموعة. إنه يبدو قلقا جدا، بل وأخذ يحك مؤخرة رأسه. ربما أن هناك شيء سيء يحدث الآن.
قرروا إذن أن يعيدوا أدراجهم على خطى الدبدوب، الذي أخذ يَنِطُّ في اتجاه المنطقة التي يفترض أن دانيال وماكس قد ركنا فيها سيارتيهما. يفترض… لأنه، في الحقيقة، انتهى الأمر بكارت ماكس أن تحط فوق كارت دانيال، ودخل الشابان من جديد في شجار حاد.
« لقد خرج بعنف شديد، بدون حتى أن يفرمل، قال دانيال بغضب لبوب. من حسن الحظ أنني كنت خرجت من العربة، وإلا، لكان دهسني بالفعل. انظر إلى ما فعل: كأن عربتي الكارت متراكبتان».
« هدئ من روعك يا دانيال. سنساعدك على إخراج عربتك من هنا، وسنراقب حالة السيارتين لنرى إن كانتا في حالة جيدة»، قال له الميكانيكي وهو يحاول تهدئته. « لست هادئا على الإطلاق! تصور، حتى أنه لم يعتذر مني، إنه لا يهتم إن كان قد أفسد سباقي. لم أعد أريد أن يكون شخص مثله زميلا لي في الفريق!»، صاح دانيال، محاولا كبح دموعه. لقد أحس بحزن شديد للحالة التي أصبحت عليها سيارته الكارت، وأكثر من ذلك، آلمه سلوك ماكس، الذي كان قبل أسابيع قليلة من أعز أصدقائه.
حاولت والدة ماكس إقناع ابنها بالاعتذار من دانيال، غير أن ماكس كان شاردا، ونظراته مخطوفة. كما لو أن قصة رُسُوِّ سيارته على سيارة زميله في الفريق ليست مشكلته. وبدلا من أن يطلب الاعتذار، أخذ يصرخ بصوت عال ومضطرب، لقد سيطر عليه الغضب لدرجة أن أصدقاؤه لم يعودوا يعرفونه: « لا يهمني أين انتهى الأمر بسيارتي، لا شأن لي بدانيال، ولا بأن أعرف إن كان قادرا على مواصلة السباق، لا شأن لي بالمضمار، ألا تفهمون؟ لقد تعبت من كل هذا، تعبت!».
لم تعد والدة ماكس تدري ماذا يمكنها أن تقول أو تفعل. فلم يعد بوب هو القادم من المريخ، وإنما ابنها هو الذي بدأ يتحول إلى كائن فضائي! وهو الآن لا يزال يستفرغ إحباطاته: «لم أعد أرغب في أن أصبح ربانا! لم تعد سياقة الكارت تُسَلِّينِي. أريد فقط أن أبقى بهدوء في غرفتي لألعب مع أصدقائي الجدد. أريد أن أصبح لَعَّاباً خارقا مثلهم». عند ذلك انفجر باكيا ثم مضى هاربا، وأمه تتبعه عن قرب.
« في هذه الرياضة، كل شيء يتم تحت شارة السرعة، وكل شيء يقع بسرعة أيضا، قد ندع المنافسة تتجاوزنا. يبدو مستحيلا أن يكون هذا هو فعلا ماكس الذي عهدناه، إلا أنه هو»، قالت أوليفيا بمضاضة.
« لقد تجاوز ماكس الحد مع ألعاب الفيديو والأنترنيت، فهو لم يُدرك متى كان عليه أن يتوقف»، رد عليها بوب. 
« لكن حتى أنتم، لم تتوقفوا عن مطالبتنا بأن نسير بسرعة»، أجابت البطلة.
«غير صحيح أوليفيا، تعلمين جيدا أن أول شيء أنصحك به هو أن تنتبهي جيدا».
استمع بيتر ولُولاَ إليه ساهمين. لم يبق أمام ستيف سوى اقتلاعهما من حلبة السباق. عليه أن يكتب مقالته، حتى لو أنها ليست تلك القصة الجميلة التي كان يصورها. 
الفصل السابق
الفصل اللاحق
يا لك من قارئ رائع!  
يمكنني أن أرى فضولك المتزايد من هنا.
اقرأ فصلاً جديداً وتعرّف على المزيد.
الفصل اللاحق