ولم يتطلب الأمر وقتا طويلا ليدركوا سبب هذه الجلبة. بجانب الرصيف، في الفضاء المخصص للفُرُقْ، يوجد ولدان تبدو على وَجْهَيْهِمَا علامات السخط والغضب. كان أحدهما يبكي وهو يشد على رسغ يده وهو يتضور من الألم، بينما يبدو الثاني من هيئته الحزينةِ المُرْتَبِكَة… كأنما يشعر بالندم. يبدو كأنه على عجلة من أمره، وليس لديه وقت ليضيعه.
« لقد دفعني وأسقطني على الأرض. ارْتَطَمَتْ يَدِي بالكارت وتوعك رسغي. إنه مؤلم كثيرا!»، قال الطفل الأول باكيا.
«أنا!… بالكاد لامستك! ثم، إنها المرة الثالثة التي أطلب منك أن تفسح لي الطريق كي أَمُرَّ. علي الذهاب لجلب هاتفي من سيارة أمي»، رد الولد الآخر وهو يعدل خصلة شعر أسود تكاد تغطي عينيه.
« من يكونان؟ » قالت لُولاَ موجهة سؤالها إلى أوليفيا.
« إنهما دانيال وماكس، وهما يشكلان فريقا! »، أجابتها الفتاة اللطيفة. « إلا أن ماكس أصبح عصبيا كثيرا في الفترة الأخيرة، بل أصبح عنيفا جدا. يبدو أنه قد تغير. قبل أشهر فقط كان شخصا ودودا، لم يكن هناك ألطف منه. إضافة إلى أنه كان الأقوى على المضمار. إنه البطل الذي لا يهزم تقريبا. »
« لماذا تغير بهذا الشكل؟ ألكونه لم يعد قادرا على الفوز؟»، استفسر بيتر.
« ليس كذلك. منذ أسابيع وهو يعطي انطباعا وكأنه يقود سيارته دون أن يضغط على دواسة السرعة، كما لو أن الريح هي التي تدفعه… عندما تكون هناك ريح بالطبع. بالنسبة لي أصبحت أتصوره حلزونا يرتدي خوذة! » ثم أضافت فيوليا بعد تنهيدة عميقة: « ربما لديه مشاكل... »
يبدو أن ميدوري كوما يشاطرها هذا الرأي: فقد أخذ يحك مؤخرة رأسه وأصبحت نظراته حزينة.
« لا شك في ذلك: ربما أن ماكس لديه مشكلة، مشكلة كبيرة حتما!»، أكد بوب، قبل أن يهرول ليرى حالة رسغ دانيال. جرت لُولاَ خلفه، سيحز كثيرا في نفسها أن لا يستطيع هذا الربان الشاب السياقة…إنه جميل جدا لدرجة أنها قررت المراهنة عليه!
في غضون ذلك، وصل ستيف، حاول أن يستقصي عن حقيقة ما يجري عبر توجيه أسئلته لبعض الآباء.
« لا نعرف ما الذي أصاب ماكس. قبل وقت قصير كان يتفانى بشكل مثير في مساعدة أصدقائه، سواء داخل المضمار أم خارجه. بل إنه غالبا ما كان يساعد الربابنة الأصغر منه في إنجاز فروضهم المدرسية. كان الوحيد الذي يفكر في أن يجلب معه كرة من أجل ارتجال مباراة لكرة القدم بعد الاختبارات »، يحكي والده. وأردفت إحدى السيدات قائلة: « كان يحلم بأن يصبح ربانا للفورمولا وان. من أجل بلوغ هذا الهدف أصبح الأول في قسمه. كان والداه يخبرانه دائما أنه إذا حصل على نقاط سيئة فلن يتمكن بعد ذلك من قيادة الكارت، بالتالي، فقد تمكن من التفوق في المجالين معا: أصبح بطلا في المدرسة وعلى المضمار. كان شغفه قويا إلى أبعد حد!»
« سأشرح لكم ما في الأمر»، قال رجل بنبرة حزينة وهو يتقدم في اتجاههم. إنه والد دانيال، لقد التقى للتو والدة ماكس والتي قدمت له اعتذارها عن سلوك ابنها. « إنها فعلا متأسفة ومحزونة بسبب ما حدث، وهي أيضا قلقة جدا. تقول أنها أصبحت تجد صعوبة في تدبير السلوك العصبي لطفلها خلال الأسابيع الأخيرة. فهو لم يعد يستطيع أن يكون هادئا إلا وهو أمام لعبة إلكترونية على الأنترنيت، أو عندما يستعمل هاتفه الذكي للدردشة مع أصدقائه الجدد، أو للتفرج على أشرطة الفيدو. لكن يكفي أن يطلب منه أبواه إطفاء الهاتف والذهاب إلى المدرسة، أو فقط الالتحاق بهم على مائدة الأكل، حتى يتغير ويرد عليهم بشكل سيء، قبل أن يتقوقع في صمت. »
«يا للهول! إنها مشكلة حقيقية!»، همس ستيف في اتجاه لُولاَ وبيتر. حتى نظرات ميدوري كوما كانت تبدو قلقة للغاية. أما لُولاَ وابن عمها فلم يستطيعا استيعاب كيف يمكن لأشياء ترفيهية كألعاب الفيديو أو أجهزة الهواتف المحمولة أن تُغَيِّرَ شخصا إلى هذا الحد.
« هذا ليس كل شيء، أضاف والد دانيال. والدة ماكس قلقة أيضا لأن ابنها أصبح يقول أنه لم يعد يريد أن يصبح ربانا لسيارات السباق. بَيْدَ أنه قبل مدة قصيرة فقط كان لا يعيش إلا من أجل الكارت والسيارات. إنها لا تفهم كيف فَتُرَ حماسه وانطفأ بهذه السرعة… في المرات القليلة التي تكلم فيها ماكس، قال إن لديه أصدقاء جدد، أكثر لطافة من أولئك الذين يلتقيهم في المدرسة أو على مضمار السباق. »
« أرغب في رؤية ذلك، أصدقاء أكثر لطافة منا… بالنسبة لي هذا غير ممكن »، قالت أوليفيا بامتعاض.
وختم والد دانيال كلامه قائلا: « مسكينة، حزِنْتُ كثيرا لرؤيتها في هذه الحالة، قلقة بسبب طفلها الذي أصبح لا يتحدث إلا عن أصدقاء افتراضيين لم يسبق لأي فرد من العائلة أن التقاهم، وأحيانا يتخوف أبواه من أن يكونوا فقط من صنع خياله».
« يجب أن تُصَادَرَ منه ألعاب الفيديو وجهاز الهاتف وأن يُحْرَمَ منها لبعض الوقت»، حسب أحد الآباء الحاضرين.
« ستكون الأمور أسوأ، رد والد دانيال. ففي كل مرة يمنعونه فيها من اللعب أو من الدردشة عبر الهاتف، يرتمي ماكس في سريره ويَتَسَمَّرُ فيه وهو ينظر إلى السقف. كما لو أنه رأى شبحا. بل حتى الجوع ينساه، وأحيانا يرفض الأكل».
واصل آباء وأمهات الربابنة الناشئين مناقشة التحولات التي طرأت على البطل الأسطوري السابق، ثم قرروا التعاون والعمل معا من أجل إيجاد حل لمساعدته. فكلهم يشعرون بالأسى لرؤية مثل هذه الموهبة تضيع.
« التقنيات الجديدة، تعني ظهور مشاكل جديدة، غير أنها للأسف تكون غير معروفة في بعض الأحيان»، أضاف بوب بصوت منخفض.
لا يبدو أن أحدا قد سمع ما قاله ميكانيكي أوليفيا الحكيم. لا أحد سمعه، سوى ميدوري كوما، الذي وجه إليه واحدة من تلك النظرات المعبرة. لقد تفاهما. وهما يعلمان أن القادم سيكون أكثر صعوبة. فالبرنامج قد بدأ للتو.